فخر الدين الرازي
176
المطالب العالية من العلم الإلهي
والجواب : الدليل على أن الإيمان نعمة : الإجماع الذي نقلناه ، وإنكاره مكابرة . فإن أصروا على المنع . قلنا : الدليل على أن الإيمان نعمة : أن لفظ النعمة مستعمل في صور كثيرة . ولا بد من جعلها حقيقة في القدر المشترك بينها ، دفعا للاشتراك والمجاز . وكونه أمرا منتفعا به خاليا عن كل جهات المضرة ، قدر مشترك . فوجب جعل اللفظ حقيقة فيه . ولأنا إذا قلنا : إن اللّه تعالى أعطى فلانا نعمة ، لم يفهم إلا ما ذكرناه . فثبت : أن لفظ النعمة اسم لكل أمر منتفع به ، خالي عن جميع جهات المضرة . والإيمان كذلك ، فوجب أن يكون نعمة . قوله : « لم لا يجوز أن يكون الإيمان من اللّه ، بمعنى أنه حصل بأمره وبإعانته » ؟ قلنا : لأن كلمة « من » لابتداء الغاية . وإنما يصدق القول بأن هذه النعمة من اللّه تعالى ، إذا كان ابتداء حدوثها من اللّه . فلو كان إحداثها وإيجادها من العبد ، لم يصدق عليها أنها من اللّه . وأقصى ما في الباب : أنه قد يطلق هذا اللفظ على سبيل المجاز في بعض المواضع . إلا أن المجاز خلاف الأصل . واللّه أعلم . الحجة الثانية : قوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 1 » وهذه الآية هي التي يظن المعتزلة أنها في غاية القوة من جانبهم . وتقريره : أن نقول : فعل العبد موقوف على مشيئة العبد ، ومشيئة العبد موقوفة على مشيئة اللّه تعالى . ينتج : أن فعل العبد موقوف على مشيئة اللّه تعالى . وإنما قلنا : إن فعل العبد موقوف على مشيئة ، للقرآن والعقل . أما القرآن . فقوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ دلت هذه الآية : على أن مشيئة الإيمان مستعقبة للإيمان ، ومشيئة الكفر مستعقبة للكفر . وظاهر أيضا : أن عند عدم هذه المشيئة لا يصدر الفعل عن القادر . وأما العقل . فهو أن القادر ، قادر على الضدين . أعني : الكفر والإيمان والمعصية والطاعة . فيمتنع أن
--> ( 1 ) سورة الكهف ، آية : 29 .